فصل: باب: قِسْمَةِ الغَنَم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ ضَالَّةِ الغَنَم

2428- قوله‏:‏ ‏(‏وكانت وَدِيعةً عِنْدَه‏)‏ أي عند المُلتقِط، فيه دليلٌ على أنَّه يجب عليه الأداءُ عند مجيء صاحبه‏.‏ ثم الوَدِيعةُ أخصُّ من الأمانة؛ فالوديعة ما أودعه الرَّجُل بِنَفْسه، بخلاف الأمانة‏.‏ وحينئذٍ عَلِمت أن في إطلاق الوَدِيعة مسامحةً من الرَّاوي‏.‏

باب‏:‏ إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهيَ لِمَنْ وَجَدَهَا

قال الشَّارِحون‏:‏ مرادُه أنَّ اللُّقطة بعد التعريف سنةً تكونُ مملوكةً للواجد، ولا يجب عليه ضمانٌ وإن جاء صاحبُها وطالب بالضَّمان، وهذا خلافُ الجمهور‏.‏ ثُم تتبعوا أنه هل ذَهب إليه ذاهبٌ أم لا‏؟‏ لئلا يبقى المصنِّفُ متفردًا فيه، فقالوا‏:‏ إنه مَذْهبُ الكراَبيسي أيضًا‏.‏ ثُم إنَّ هذه الترجمةَ تُناقِضُ تَرْجَمتَه‏:‏ الثانية «باب إذا جاء صاحِبُ اللُّقَطة بعد سنة ردَّها عليه، لأنها وديعةٌ عنده» اه‏.‏ فإِنها تَدُلُّ على أَنَّه لا يَمْلِكُها، ولكن يجب عليه الردُّ‏.‏

قلت‏:‏ ولا تنافي بينَ التَّرْجَمتيْن، فإِنَّ الأولى فيما إذا صَرَفها على نَفْسه بعد سنة، ولم يجيء المالك‏.‏ والثانية فيما إذا جاء المالِكُ والشيءُ قائمٌ في يده، فيكون في يده وديعةً لا نحالةَ‏:‏ والحاصل أن الأولى فيما صَرَفه على نَفْسه‏.‏ والثانية فيما كان موجودًا عنده‏.‏ والشارِحون يحملون تراجمة على مسائلهم التي في فِقْههم، مع أن المصنِّف ليس يتابع لهم، فيختار من المسائل ما شاء، ويترك ما شاء؛ والحاصل أنه لا دليلَ في تلك الترجمة على كَوْنِ اللُّقطةِ مملوكةً عنده، ولكن أباح له بعد سَنةٍ أن يصرفها إلى نفسه، سواء كان غنيًا، أو فقيرًا؛ فإِنَّ لم يجيء مالِكُها فلا ضمانَ عليه، وإما إن جاء صاحِبُها، واللقطةُ في يده، فهي له لكونها وديعةً عنده، ولا أدري كيف حملوها على التملك مع أنَّه صرَّح في ترجمةٍ أخرى أنها وَدِيعةٌ عنده، وأنه يردُّها إليه‏.‏

فائدة‏:‏ الكلام في الكرابيسي

هذا هو حُسينُ بن علي الكرابيسي، وهو رجلٌ عظيمُ الشَّأنِ، من تلامِذة الشَّافعي، معاصرٌ لأحمدَ، وشيخُ للبخاري، ومنه تَعلَّم البخاريُّ قوله‏:‏ «لَفْظي بالقرآن مخلوق»‏.‏

ثمُ إنَّ اختلفوا فيه، ولا أعرف فيه شيئًا، إلا أنَّ أحمد لم يكن راضيًا عنه، لأنه وَرَّى في مسألة خَلْق القرآن، ولم يختر في التعبير ما اختاره الإِمام أحمدُ، وتِلك سُنَّة قد جرت من قبل، أَنْ مَن يقاسي المصائب، ويتحمل المشاقّ للذِّين، تُجلب قلوبُ الناس إليه، وَينْزلُ له القبولُ في الأرضِ، ويصيرُ ذا وجاهةٍ ومكانةٍ بين الناس، فَمَدْحُه مَدْح، وقَدْحُه قدح، كما ترى اليوم أيضًا؛ فلما تكلَّم أحمدُ في تلك المسألةِ، وصُبَّت عليه من المصائب التي عَلِمها العوامُّ والخواصُّ، فصبر عليها، وُضِع له القبولُ في الأرض؛ فكلُّ مَنْ جرَّحه أحمدُ صار مجروحًا عندهم، ومَنْ وَثَّقه صار عندهم ثقةٌ‏.‏ وهذا هو السرُّ في خُموله، وإلا فلا رَيْب في كونه رجلا عظيم القَدْر، نبيه الشأن‏.‏ وفي كتاب «التاريخ» أنَّ عقائد البخاريِّ أكثرُها مأخوذةٌ من الكرابيسي، ومنها‏:‏ «لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فلو كان سببًا للجرح، فالبخاريُّ أيضًا قائل به، فيلزم أن يكونَ أيضًا مجروحًا‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي البَحْرِ أَوْ سَوْطًا أَوْ نَحْوَه

والتعريفُ في مِثْل هذه الأشياء اليسيرةِ يكونُ بِقَدْر ما يرى، فيعرِّفها أيامًا معدودةً‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيق

وهذا من الأشياءِ التافهة، التي عُلِم أن صاحِبَها لا يَطْلُبها، فلا تعريفَ فيها‏.‏ وأما النبيُّ صلى الله عليه وسلّم فإنَّما امتنع عن أَكْلِها مخافةَ أن تكون من الصدقة‏.‏ وفي الكتب؛ أنَّ عمر مرَّ على أعرابي يعرِّفُ تمرًا، فَخَفَقَةُ بالدِّرَّة، وقال‏:‏ «كُل يا باردَ الزُّهد»‏.‏

باب‏:‏ كَيفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّة

ولا فَرْق بين التعريفِ في لُقطة مكةَ وغيرها عندنا؛ وإنما خَصَّصها بالذِّكْر لمِظنة عدم التعريف فيها، فإِنَّ البُقعةَ يَرِدُها الصادرُ والوارد، ويَقْدِها الناس من كلِّ فجِّ عميقٍ، فلعلّه يُشْكِل فيهاالتعريفُ، ويتعذَّرُ وجدانُ مالكها، فلا يفيدُ فيها التعريف، فأكّده في لُقطة الحرَم أيضًا، وقال الحجازيونَ‏:‏ حُكمُها التعريفُ دائمًا ولا سبيلَ إلى إنفاقها‏.‏

باب‏:‏ لا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بِغَيرِ إِذْن

قوله‏:‏ ‏(‏مَشْرَبَتُه‏)‏ في الأصل هي العُلْبةُ التي يُوضَع فيهاالماء ليردَ، ثم استعملت في العُلبة مُطلقًا‏.‏

2435- قوله ‏(‏لا يَحْلِبنَّ أَحَدٌ ماشيةَ امرهيءٍ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ واستُشكل بِشُرْبِ أبي بكر في سُفر الهِجرة، وسيجيءُ الجوابُ عنه‏.‏

باب‏:‏ إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيهِ، لأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَه

باب‏:‏ هَل يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلا يَدَعُهَا تَضِيعُ حَتَّى لا يَأْخُذَهَا مَنْ لا يَسْتَحِقُّ‏؟‏

واعلم أن بين تَرْجمة المصنِّف، والحديثِ تخالفًا؛ فإِنَّ ترجمته تدلُّ على كونِها وديعةً عنده، والحديثَ يدلُّ على إنفاقه، ثُم التضمينُ بعد رجوع صاحبها، وللبخاري أن يقول معنى قوله‏:‏ «فإِن جاء صاحِبُها» أي جاء ووجدها، وحينئذٍ تَحْصُلُ المطابقةُ‏.‏

باب‏:‏ مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلطَان

أي لم يدفعها إلى السلطان، بل عَرَّفها بنفسه‏.‏

باب

2439- قوله‏:‏ ‏(‏فاعْتَقَل شاةً مِن غَنَمه‏)‏والاعتقَال أَنْ تأخذ بِرْجليها المُؤخَرَتَيْن في فَخذيك للحَلب‏.‏ ولما كانت مواشِيهم في البادية، ولا يكون هناك أَحَدٌ يشرب لَبَنَها، فكان عُرفهم قد جرى بإِجازة الشُّرْب للمارًّة، فإِنَّه خيرُ من التَّلَف‏.‏ فإِنْ قيل‏:‏ إنًّ الشِّياه كانت لرجلٍ كافر، ولو اطًّلع على أنَّ لبن ماشيته يَشْرَبُه النبيُّ صلى الله عليه وسلّم لم يرض به قَطْعًا‏.‏ وأجيب أنَّ العُرف إذا جرى بالإِذْن للمارَّة، فلا حاجةَ إذًا إلى الإِذن الخُصوصي، وكفى الإِذنُ العام‏.‏

كتاب‏:‏ المَظَالِم

قوله‏:‏ ‏{‏مُهْطِعِينَ مُقْنعي رُءُوسِهِم‏}‏ ‏(‏إبراهيم‏:‏ 43‏)‏ آنكهين تيرهى رهجائينكي سراتهى ره جائينكى‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وأفئَتُهم هواءٌ‏}‏ ‏(‏إبراهيم‏:‏ 43‏)‏ أي خالية‏.‏ واعلم أنه لا اسم للرِّيح الساكنةِ عند العرب، فالهواء هو الخلاء، فاذا تحركت يقال لها‏:‏ الرِّيح؛ نعم للسَّاكِنة اسمٌ في الفارسية باد‏.‏

باب‏:‏ قِصَاصِ المَظَالِم

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّلِمِينَ‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 18‏)‏

2440- قوله‏:‏ ‏(‏حُبِسُوا بِقَنْطَرَة‏)‏‏.‏‏.‏الخ قال العَيْني‏:‏ كما في «الهامش»، وسماها القُرْطبيُّ‏:‏ الصِّراط الثاني‏.‏ والأوَّل لأهلِ المُحْشر كلِّهم، إلا مَنْ دخل الجنةَ بغير حِساب، أو يلتقطه عُنُقُ من النار، فإِذا خلص مَنْ الصِّراط الأَكبر ولا يَخْلُص منه إلا المؤمنون، حُبِسوا على صراطٍ خاصَ بهم، ولا يرجعُ إلى النارِ من هذأَحَدٌ؛ وهو معنى قوله‏:‏ «إذا خَلَص المؤمنون من النَّارِ»، أي الصِّراط المضروبِ على النَّار، فإِذا هُذِّبوا، قال لهم رضوانٌ‏:‏ ‏{‏سَلَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ ؛ فَادْخُلُوهَا خَلِدِينَ‏}‏ ‏(‏الزمر‏:‏ 72‏)‏‏.‏

2440- قوله‏:‏ ‏(‏بينَ الجنَّة والنَّار‏)‏ أي بقَنْطرةٍ كائنةٍ بين الجنَّةِ والصَّراط الذي على متن النار؛ ولهذا سُمي بالصِّراط الثاني‏.‏ اه‏.‏ فتبين منه أن القَنْطرةَ قِطعةٌ من الصِّراط‏.‏

2440- قوله‏:‏ ‏(‏حتى إذا ما نُقُوا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وعُلِم منه أنَّ تلك الجراثم كانت صغائر، فلذا فُوِّضت تزكيتُها إليهم؛ وأما الكبائرُ فلا يُزكَّيها إلا حَرُّ النار، أو بَرْدُ النَّدم، إلا أن يتغمَّدَهُ اللهاُ بغفرانه‏.‏

فائدة‏:‏ ‏(‏في أن للحساب في المَحْشر صورة‏)‏

واعلم أن للحسابِ تكونُ صورةٌ في المحشر، ولتعيين تلك الصورةِ يقومُ الميزانُ، فإِذا بُعِثُوا إلى الصِّراط، بُعِثت تلك الصورةُ معهم، فيعاملون عليه باعتبار تلك الصورةِ‏.‏ أما خُروجُ العُنُق من النَّار إلى المَحْشر، ونحوه، فكُلُّها صُوَرٌ مخصوصةٌ، والضابطة ما قلنا؛ وعلى البصير المتبصِّر أن يجمع أحاديثَ الباب كلَّها، ثُم يحكم بشيء‏.‏

باب‏:‏ لا يَظْلِمُ المُسْلِمُ المُسْلِمَ وَلا يُسْلِمُه

باب‏:‏ أَعِنْ أَخاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا

«أي ولا يَتْرُك نُصْرَته، ولا يُسْلِمُه» إلى الهلاك‏.‏

2442- قوله‏:‏ ‏(‏ومَنْ كان في حاجَةِ أخِيه كان اللهاُ في حاجَتِه‏)‏ الخ؛ قلت‏:‏ ولتمعن النَّطَر فيه، فإِنه يفيدك في شَرْح ما أخرجه مُسْلم في الحديث القدسي‏:‏ «مرِضْتُ فلم تَعُدْني»‏.‏‏.‏‏.‏الخ؛ وما ذكره النوويُّ في شَرْحه غَيْر مرضيُّ عندي؛ والصوابُ أن الحديثَ عندي على ظاهره، وليُستعن في شَرْحه بهذا الحديث، فإِنَّه نظيرُه في كون الله عزّ وجل عنده‏.‏

باب‏:‏ نَصْرِ المَظْلُوم

2446- قوله‏:‏ ‏(‏المُؤمِنُ لِلمؤمِن كالبُنيان‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، قال الشيخُ الأكبر‏:‏ وذلك لأنَّ الشيطانَ يدخل في كل فرجةٍ يجدُها بين رجلين، حتى يفعل ذلك في صفِّ الصلاةِ أيضًا، فإِذا صاروا كالبُنيان، وترصُّوا في الصفوف، لم يَبْقَ له مَوْضِعُ دخولٍ‏.‏

باب‏:‏ الانْتِصَارِ مِنَ الظَّالِم

باب‏:‏ عَفوِ المَظْلُوم

باب‏:‏ الظُّلمُ ظُلمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَة

باب‏:‏ الاتِّقَاءِ وَالحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ المَظْلُوم

أي الانتِقاَم

قوله‏:‏ ‏(‏قال إبراهيمُ‏:‏ كانوا يَكْرَهُونَ أن يُسْتَذلُّوا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ أي كانوا يَسْعَون أن يَقْدروا على الانتقام، فاذا قَدِروا عليه عَفَوْا، وتَرْكُ سعي التمكَّنِ على الانتصار هو الذي عَنَوْه بالذِّلَّة، والعَفُو بعد القدرةِ هو عمل أصحابِ العزائم‏.‏

باب‏:‏ مَنْ كانَتْ لَهُ مَظْلمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ، هَل يُبَيِّنُ مَظْلمَتَهُ‏؟‏

وقد مرَّ فيه قولان، ثُم إذا حَلَّله، فليس له رجوعٌ، ليس بمالٍ يُمْكِنَ الرجوعُ عنه‏.‏

2449- قوله‏:‏ ‏(‏قال أَبُو عَبْد الله‏:‏ قال إسماعيل بنُ أَبي أُوَيْس‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ وإسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْس هذا شيخُ البخاري، وابنُ أُخت الإِمام مالِك، وقيل‏:‏ إنه كان يزورُ حكاياتٍ كاذبةً في تأييد خالِه، ولذلك لم يأخذ عنه النسائي، ثم البُخاري أَخَذَ عنه‏.‏

فائدة مهمة

واعلم أَنَّه قد يذهب إلى بعض الأَوهام أن المُحدِّثين إذا أخذوا الأحاديثَ عمَّن رُمُوا بالكَذِب أيضًا ارتفع الأمانُ عن الأحاديثِ، ولماذا بقي الاعتماد عليها‏؟‏ قلت‏:‏ وذلك باطلٌ قطعًا، فإِنَّ الحديثَ إذا صار فنًا مستقلا، ولم يبق للأساتذةِ والشيوخ مدخلٌ فيه، كيف يُورِثُ ذلك خَلْطًا أو خبطًا نعم كان ذلك لو كان الحديثُ يُكتب شيئًا فشيئًا، لأدَّى ذلك إلى تخليط، ولكن الذين دَوَّنوا الحديثَ لم يكتفوا بطريقٍ واحدٍ، حتى مارسُوه بطرقٍ متعدِّدة، وتتبعوه عن مشايخَ متفرقةٍ، حتى تبينَ لهم صِدْقُه من كذبه، كَفَلَق الصُّبح؛ فهؤلاء كانوا يعرفون محاله ومظانَّه، فإِذا جمعوا الطُّرُقَ والأسانيدَ انكشفت لهم العِلَلُ، وأسبابُ الجَرْح كلُّها، فلم يدونوه إلا بعد ما حَقَّقُوه ومارسوه‏.‏ وبَعْد هذا البحثِ والفَحْص لو اشتمل حديثٌ على أَمْرٍ قادح لم يقتص ذلك قَدْحًا في نَفْس الأحاديث أصلا؛ فإِنَّه مَخْرَجَه معلومٌ، ورواتِه معروفون، وأَمْرَه مكشوفٌ، والجَرْحَ فيه مذكورٌ، فأي تخليط هذا‏؟‏ ولذا قال سُفْيان الثَّوري‏:‏ لا تأخذوا الأحاديثَ عن جابر الجُعْفي؛ ثُم روى عنه بنفسه، ولما سُئل عنه قال‏:‏ إني أَعْرِفُ صِدْقَه من كَذبه‏.‏ فَدلَّ على أنه لا تخليطَ على الممارِس، لأن الحديثَ عنده يكون معلومًا بمخارِجه ورواتِه وعلِله‏.‏

ثم إنَّهم اختلفوا في جابر الجُعْفي، والقول الفَصْل فيه‏:‏ أنه مُتَّهم في الرأي- أي الاعتقاد- كان يقولُ‏:‏ إن عليًا في الغَمام، وينزل، ثم ينتقم من أعدائه؛ ولكنه مُعْتمدٌ في حقِّ الرواية، لأنه لم يَثْبُت كَذِبُه في باب الحديثِ أَصْلا‏.‏

وبالجملة السَّلَفُ إنما أخذوا الحديثَ عَمَّن يُوثَقْ بهم، ويُعْتمد على حِفْطهم ودِينهم؛ فلما انتقل الحديثُ من الصُّدور إلى الِّزبْر والأَسْفَار، فحينذٍ لو أخذ عَمَّن رُمي بالكذب لم يَقْدح بشيء، لأن عندك عِلمًا بالاختلاط، والتمييز معًا‏.‏ فسفيانُ الثوريّ كان يَعْرِف الأحاديثَ، فإِذا أخذها عن جابر مَيِّزَ جَيِّدها عن رديئها، صحِيحَها من سَقِيمها؛ فهذه مرحلة بعد التدوين وبعده‏.‏

باب‏:‏ إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلمِهِ فَلا رُجُوعَ فِيه

وهذه حقوقٌ، وهي أوصافٌ، ولا رجوعَ بعد السُّقوط‏.‏ ومِن ثمة قالوا‏:‏ إنَّ امرأةً لو وهبت نَوْبَتَها لضَرَّتها يَصِحُّ لها الرجوعُ عنها؛ وذلك لأنها لا تملِك أيامَ نَوْبةِ وَهْبها دفعةً، بل شيئًا فشيئًا‏.‏ فهِبةُ جميع نوَبِها التي لم تأت بَعدُ هبةٌ بما لا تستحِقُّه هي أيضًا، فيصِحُّ الرجوع عنها لا محالة، وكأنه هِبةٌ ورجوعٌ صورةً فقط، وإلا فلا هبةَ ولا رجوعَ‏.‏ هذا في الحقوقِ‏.‏ أما في الأعيانِ فقد حققت فيما مرَّ أن الرجوعَ عند انعدامِ الموانعِ السَّبعةِ جائزٌ، لكن بشرط القضاء أو الرضاء، وكُرِه تحريمًا أو تنزيهًا؛ والمُفْتُون يُفتون عند انعدامِ الموانع بالجواز مطلقًا، ولا يفرقون بين حُكْم القضاءِ والدِّيانة، مع أنه لا بد منه، كما حققه في العلم‏.‏

باب‏:‏ إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ أَحَلَّهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُو

2451- قوله‏:‏ ‏(‏أتأذَنُ لي أن أُعطي هؤلاء‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ ولو أعطاهم لكان هِبة المُشاعِ، لكنك عَلِمت أن مِثْل هذا لا يَدْخُل في الحُكم‏.‏

2451- قوله‏:‏ ‏(‏فَتَلَّهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم أي دَفَعه بقوةٍ وعُنْف، كالكاره له؛ وهذا الذي قُلْتُه فيما مرَّ‏.‏

باب‏:‏ إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيئًا مِنَ الأَرْض

باب‏:‏ إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لآِخَرَ شَيئًا جاز

باب‏:‏ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 204‏)‏

قوله‏:‏ ‏(‏طُوَقَه مِنْ سَبْعِ أَرَضِين‏)‏ فيطوّق بِقَدْر ما غصبه من ذلك الأَرض، ويطوّق من الستَّةِ الباقية مِثْل ذلك أيضًا‏.‏ وفيه دليلٌ على أن الأَصْل هو هذه الأَرْضُ، والباقيةَ تابعةٌ لها‏.‏

تحقيق في طبقات الأرض

واعلم أَنَّ السموات سَبْعٌ كما قد صَدَع به القرآنُ في غير واحدةٍ من الآيات؛ أما كون الأرض أيضًا سبعًا، فلم يُومِ إليه القرآن إلا في سروة الطلاق‏.‏ فقال ‏{‏ومِن الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ‏}‏‏(‏الطلاق‏:‏ 12‏)‏وفيه أيضًا إبهامٌ شديد؛ فإِنَّ المِثْلية مبهمةٌ لا ندري ماذا أُريد منها‏؟‏ فيمكنُ أن يكون المرادُ المِثْلية في العدد، ويمكنُ أن تكونَ الأرضُ واحدةً، ثم تكون لها طبقاتٌ تُسمَّى كلُّ طبقةٍ منها أرضًا؛ ألا ترى أنَّه لم يَقُل‏:‏ ومَنْ الأَرضين مِثْلهن، بل قال‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الاْرْضِ‏}‏ فأَبْهم غايةَ الإِبهام؛ نعم ما في البخاري‏:‏ طوِّقَه من سَبْع أَرْضين، صريح فيه؛ وأَصْرحُ منه ما عند الحاكم في «مستدرَكه»، والبيهقي في كتاب «الأسماء والصفات»، وصحَّحه عن ابن عباس، وفيه أنَّ الله تعالى خَلَق سَبْعَ أَرَضين، في كلِّ أرضٍ آدمُ كآدمنا، ونوحٌ كنوحِنا، إلى أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلّم أي محمدٌ كمحمدنا، اه- بالمعنى‏.‏

قلت‏:‏ وهذا الأَثَرُ شاذٌ بالمرّة، والذي يجب علينا الايمانُ به هو ما ثبت عندنا عن النبي صلى الله عليه وسلّم فإِن ثبت قَطْعًا أَكْفرنا مِنْكرَه، وإلا نَحْكُم عليه بالابتداع؛ وأما غيرُ ذلك مما لم يَثْبت عنه صلى الله عليه وسلّم فلا يلزمُنا تَسْلِيمُه والإِيمانُ به، والذي أَظُنُه أنَّ هذا الأَثَرَ مُركَّب من إبهام القرآن وتَصْريحِ الحديث، فقال القرآن‏:‏ ‏{‏مِثْلَهُنَّ‏}‏ وصرَّح الحديثُ بكونها سبعًا، فتركَّب منه التفصيلُ المذكورُ في الحديث‏.‏

والظاهر أنه ليس بمرفوعٍ، وإذا ظَهَر عندنا مَنْشَؤه، فلا ينبغي للإِنسان أن يُعَجِّز نَفْسَه في شَرْحه، مع كونه شاذًّا بالمرَّة‏.‏ وقد ألَّف مولانا النانوتَويُّ رسالة مستقلة في شَرْح الأَثَر المذكور، سماها «تحذير الناس عن إنكار أَثَرِ ابن عباس» وحقق فيها أَنَّ خاتميتَهُ صلى الله عليه وسلّم لا يخالف أن يكون خاتَمٌ آخرُ في أَرْضٍ أُخْرى، كما هو مذكورٌ في أَثَرِ ابن عباس‏.‏ ويلوح من كلامِ مولانا النَّانُوتُويّ أن يكون لكلِّ أَرْض سماءٌ أيضًا، كما هو لأَرْضِنا، والذي يَظْهُر مِن القرآن كونُ السمواتِ السَّبْعِ كلِّها لتلك الأَرِيضَة، لأَن السَّبع موزعةٌ على الأَرضِين كذلك‏.‏

والحاصل أنا إذا وجدنا الأثَر المذكور شاذًّا، لا يتعلُق به أمرٌ من صلاتنا وصيامنا، ولا يتوقف عليه شيءٌ من إيماننا، رأينا أن نترك شَرْحَه؛ وإن كان لا بدَّ لك أن تَقْتحم فيما ليس لك به علم، فقلْ على طريق أرباب الحقائق‏:‏ إنَّ سَبْعَ أَرْضين لعلها عبارةٌ عن سَبْعةِ عوالم؛ وقد صحَّ منها ثلاثةٌ؛ عالم الأجسام؛ وعالم المثال؛ وعالم الأرواح، أما عالم الذِّر، وعالم النَّسمة، فقد ورد به الحديثُ أيضًا، لكنا لا ندري هل هو عالمٌ برأسه أم لا‏؟‏ فهذه خمسةُ عوالم، وأخرج نحوها اثنين أيضًا‏.‏ فالشيءُ الواحِد لا يمرّ من هذه العالم إلا ويأخذ أحكامه؛ وقد ثبت عند الشَّرْع وجوداتٌ للشيء قبل وجوده في هذا العالم؛ وحينئذٍ يمكن لك أن تَلْتزم كونَ النبيِّ الواحد في عوالم مختلفةٍ بدون محذور‏.‏ وسنعود إلى تفصيلِ النَّسمة أيضًا، وقد ذكرناه من قبل أيضًا‏.‏

والتُّوربِشْتي الحنفي لما مرَّ على أحاديثِ النَّسمة لم يفسره بالروح، بل وَضَع هذا اللفظَ بعينه، ففهمت منه أنه شيءٌ يُغاير الروح عنده، ولذا لا يضعُ لعفْظ الروحَ مكانه، ولا يترك هذا اللفظ، فكأَنَّه حقيقةٌ أخرى؛ فيُخْشى أن لا تتبدل تلك الحقيقةُ بِتَرْك لفظه‏.‏ وقد مرَّ عليه الشاه وليُّ الله في «الطاف القُدْس»، وقال‏:‏ إنَّ النَّسمة جِسمٌ هوائي سارٍ في بدن الإِنسان، محفوظٌ من التلاشي، وقال‏:‏ إنه يبقى كذلك بعد الموتِ أيضًا، والله تعالى أعلم‏.‏

أما شَرْحُ حديث البخاري، فيمكنُ أن تكونَ الأَرَضُون فيه سَبْعًا، كالسَّموات، ويمكن أن تكون سَبْع طبقاتٍ، كلّ طبقة منها سُميت أرضًا، وقد ثبت اليوم عند ماهِري عِلْم الطبقات أن لها طبقاتٍ‏.‏ فذكروا أنَّ هذه الأَريضة إلى ستةٍ وثلاثينَ ميلا فقط، وبعدها غاز‏.‏ ونعوذُ بالله أَنْ نَفْقُوا ما ليس لنا به عِلْم‏.‏ وأما مَنْ أراد به الأقاليمَ السَّبْعةَ فباطِلٌ قَطْعًا‏.‏ وأجاب عنه بَعْضُهم أنه يمكنُ أن يكون المرادُ منه السَّبْعَ السياراتِ، وقد شاهدوا اليوم فيها جبالا، وبحارًا، وقناطر، وأُناسًا، وهم بصدد المكالمة معهم، وقالوا‏:‏ إنَّ هذه الأرضَ في نظر سُكانِ القمر، كالقمر في نظر سُكَّان الأَرْض؛ وحينئذٍ يستقيمُ عددُ السَّبع، بل يزيدُ عليه على تحقيقهم، ولا بأس فإِنَّ الشَّرْع لم يَنْف ما فوقه‏.‏

باب‏:‏ إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُه

باب‏:‏ إِذَا خاصَمَ فَجَر

2458- قوله‏:‏ ‏(‏فَمَن قَضَيْتُ له بِحَقِّ مُسْلِمٍ فانَّما هي قِطعةٌ من النَّارِ‏)‏قال الحنفيةُ‏:‏ إنّ قضاءَ القاضي إذا كان العقود والفسوخ، لا في الأملاك المرْسلة، والمحلّ يكونُ قابلا للإِنشاءِ، يَنْقُذُ ظاهرًا وباطنًا، وأَورِد عليهم حديثُ الباب، فإِنَّه لو نَفَذَ باطنًا أيضًا لما وَصَفه النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بالنار‏.‏

قلت‏:‏ وهذا وَصْفٌ لا حُكْم، ويمكن أن يكون شيءٌ يوصَفْ بالنارية، ثم لا يدخل صاحِبُه في النار، كالسؤال، فإِنَّه شيءٌ يترتَّب عليه النار، ثم لا يلزمُ أن يكون كلُّ سؤال كذلك، بل قد يتخلَّف عن لعارض‏.‏ فإِنه يَصحُّ وَصْفُ الشيء بحال الجِنْس أيضًا، وإذن لا يلزمُ تحقُّقه في الأفراد كلِّها، وتحقُّقه في البعض يصح وَصْفُه به باعتبار الجنس‏.‏ وهو المَلْحظُ في قوله صلى الله عليه وسلّم «فإِنَّه لا صلاةَ لِمنْ لم يقرأ بفاتحةِ الكتاب»، فهذا وَصْفٌ في الفاتحة لا حُكْم بالوجوب على المفتدي في الحالة الراهنة‏.‏ وسيجيء تفصيلُه في موضعه إن شاء الله تعالى‏.‏

باب‏:‏ قِصَاصِ المَظْلُوم إِذَا وَجَدَ مالَ ظَالِمِه

باب‏:‏ ما جاءَ في السَّقَائِف

وهذه المسألةُ تسمَّى في الفِقْه بمسألة الظَّفَر؛ وحاصِلُها أنه إذا كانَ له حقُّ على آخرَ فما طله، ولم يُؤَدِّ إليه، فلصاحِب الحقِّ أن يأخُذَ عينَ ماله إن طُفِر به، أو جِنْسه، وليس له أن يأخذَ من أيِّ أمواله شاء، وهذا عندنا، وعمَّمه الشافعية‏.‏ وأفتى المتأخرون منا بمذهب الشافعية، لظهور سوء الديانة، والتواني في أحكم الإِسلام، فعسى أن لا يجد جِنْسَ مالِه، فينوى حَقَّه‏.‏

2460- قوله‏:‏ ‏(‏لا حَرَجَ عَلَيْكِ أن تُطْعِمِيهم‏)‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ وهذا الحديث خفيٌّ في الترجمة، فإِنَّها آخِذةٌ من عينِ حَقِّها، لا أنها قِصاصٌ، والترجمة فيما إذا تَلِف حَقُّه، فله أن يقتصَّ من مالِ المظلوم، أما الأَخْذَ بحقوقِ نفسه، كنفَقةِ الزوجة على الزوج، فليس من القِصاص في شيءٍ‏.‏ وتكلم عليه النوويُّ في «شرح مسلم» أنه قضاءً، أو ديانةً، فإِن كان الأَوَّل اقتصر على القاضي، وإن كان الثاني صحَّ لكلِّ مفتي أن يُفْتى به‏.‏ وهذا ما قلنا‏:‏ إنَّ الفَرْق بين القضاء والديانة دائرٌ بين المذاهب الآخر أيضًا‏.‏

2461- قوله‏:‏ ‏(‏فإِنْ لم يَفْعَلُوا فَخُذوا مِنْهم حَقَّ الصِّيْف‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ نعم، وهذا أَوْضَحُ في ترجمة المصنِّف، واختلف الناسُ في تخريج هذا الحُكم، فقيل‏:‏ إنَّه محمولٌ على حال المخْمَصَة؛ كانت الضِّيافةُ فيهم عُرْفًا عامًّا يومئذ، وقيل‏:‏ كان النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عاهَدهم على ذلك أن يَمُرَّ عليهم عَسْكَرٌ من المسلمين، إلا أن يُضيِّفُوه، كما يُعْلم من كُتُب النبيِّ صلى الله عليه وسلّم أخرجها الزَّيلَعي في آخر المجلد الرابع، ولكن كونُ كلِّ مَنْ يمرُّ عليهم من أهل الذِّمَّة بعيدٌ‏.‏ فالظاهرُ أَنْ يُجاب بالعُرْف‏.‏

2462- قوله‏:‏ ‏(‏سَقِيفَة‏)‏ جويال، ولا حاجةَ فيها إلى الإِجازة، لكونها أُعِدَّت لمصالح العامَّةِ عُرْفًا‏.‏

باب‏:‏ لا يَمْنَعُ جارٌ جارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدَارِهِ

ا

وهذه ديانةً لا قضاءً‏.‏

2463- قوله‏:‏ ‏(‏واللهاِ لأَرمِيَّنَّ بها بين أَكْتَافِكْم‏)‏ أي الخَشَبة، وقد بالغ فيه أبو هريرة أشدَّ المُبالغة، ومِثْلُ هذه المبالغات قد تجري في المُسْتحِبات في بعض الأحوال‏.‏ وراجعٌ «الخَيْرات الحسان» أنَّ رَجُلا أرادَ أن يَنْقُبَ في جدارِه كَوَّةً، فمنعه جارُه، فذهب إلى ابن أبي ليلى، فلم يُفتي بما كان يريدُه، ثُمَّ رَجَع السائلُ إلى أبي حنيفة، فأفتاه على ما كان عنده، إلى آخِرِ القِصَّة‏.‏

باب‏:‏ صَبِّ الخَمْرِ في الطَّرِيق

يعني أنَّ الطريقَ ليس بملْكِ أَحَدٍ، فله أن يَصُبَّ فيه الخَمرَ‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏الفَضِيخَ‏)‏ شرابٌ يتَّخَذ من عصير البُسْر حتى يَشْتدَّ، بدون أن تَمَسَّه النَّارُ والاشتدَادُ في الهندية‏:‏ اته- جانا جيسى كهتى هين اجار اته- كيا‏.‏

باب‏:‏ أَفنِيَةِ الدُّورِ وَالجُلُوسِ فِيهَا وَالجُلُوسِ عَلَى الصُّعُدَات

وفي الهندية‏:‏ آنكن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والصَّعَدات‏)‏ أي الطُّرُقات، يقول‏:‏ إنَّ هذه الأشياءَ أيضًا مِن حقوقه العامَّة، وله أن يَفْعل فيه ما ذكره، ما لم تتضرر به العامَّة‏.‏

باب‏:‏ الآبارِ عَلَى الطُّرقِ إِذَا لَمْ يُتَأَذَّ بِهَا

باب‏:‏ إِماطَةِ الأَذَى

والمرادُ من الطريق أَرْضٌ ليس لها مالكٌ، وكانت مباحةَ الأَصْل‏.‏

2466- قوله‏:‏ ‏(‏في كُلِّ ذات كِبدٍ رَطْبةٍ أَجُرٌ‏)‏ دلَّ على أنَّ في الإِنفاقِ على الكافرِ أيضًا أجرًا‏.‏

باب‏:‏ الغُرْفَةِ وَالعُلِّيَّةِ المُشْرِفَةِ وَغَيرِ المُشْرِفَةِ في السُّطُوحِ وَغَيرِهَا

ولعله كان بينهما فَرْقٌ عندهم، ولم ندرِكْه كما هو، لكونه يتعلَّق بالمشاهدةِ، وهذه الفروقُ يتعذَّرُ إدراكها بدون المشاهدةِ، فلا تُتعِب فيها نفسك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏المُشْرِفَة‏)‏ حس سى نكاه برسكى اورون بر، وهي الغُرْفة التي يمكنُ الاطلاعُ منها على النَّاسِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏في السُّطُوح‏)‏، والسطح السَّقف، فهذه أوصافٌ متغايرةٌ، وإن اجتمعت في مَوْصوفٍ‏.‏

2467- قوله‏:‏ ‏(‏أُطُم‏)‏وترجمته‏:‏ كوث‏.‏

2467- قوله‏:‏ ‏(‏هل تَرَوْنَ ما أَرَى‏؟‏‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، وهذا الذي قلت‏:‏ إن للشيءِ وجودًا قَبْل ظُهورِه في هذا العالم أيضًا‏.‏ فالفِتنُ التي رآها النبيُّ صلى الله عليه وسلّم تقطر خلالَ بيوتِهم لم تكن في زَمَنِه، ولكنَّه صلى الله عليه وسلّم رآها بِنَحْوِ وُجُودِها قبل ظهورها‏.‏

2468- قوله‏:‏ ‏(‏فَعَدَل وعَدَلْتُ معه‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، وكان يذهبُ إلى المدينةِ‏.‏

2468- قوله‏:‏ ‏(‏افتأمَنُ أنْ يَغُضَبَ اللهاُ لِغَضَبِ رَسُوله‏)‏ فيه أنَّ غضبَ الله غيرُ غَضَبِ الرَّسول صلى الله عليه وسلّم ‏.‏

2468- قوله‏:‏ ‏{‏فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا‏}‏ ‏(‏التحريم‏:‏ 4‏)‏ أي مالت عن الحقِّ‏.‏

2468- قوله‏:‏ ‏(‏فَيَنْزِلُ يومًا وأَنزِلُ‏)‏، تفسير للتناوب، وهذا مفيدٌ للحنفيةِ في باب الجمعة، وقد عَلِمته فيما مرّ‏.‏

2468- قوله‏:‏ ‏(‏فَصَلَّيْتُ صلاةَ الفَجْرِ مَع رسول الله صلى الله عليه وسلّم ‏.‏‏.‏‏.‏، وهذا يَرُدَّ ما اختارَه الحافِظُ أن قِصَّةَ السقوط عن الفَرَس، وقِصَّة السقوط عن الفرس فكانت في الخامسة، وإنما جمع الرَّاوي بينهما لكونِ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم جلس فيهما على المَشْرُبة، لا لكونهما في سنةٍ واحدة، كما زعمه الحافظ‏.‏ وذلك لأنَّه صلى الله عليه وسلّم الفَجْرَ مع الصحابةِ في قِصَّة الإِيلاء، بخلاف قِصَّة السُّقوط، فإِنَّه كان شاكٍ لم يكن يَقْدِر أن ينزل من المَشْرُبة، فَضْلا أن يصلِّي بهم‏.‏ فدلَّ على التغايُرِ قَطْعًا، كيف وأن قوله‏:‏ «فإِذا قرأ فأنصتوا»، ليس في الأحاديثِ الائتمام التي وردت في قصة السقوط، لأنَّ الدعامة فيها تعليمُ اتحادٍ شاكلةِ الإِمام والمقتدي دون مسألة القراءة، فلم يتعرَّض لها؛ وإنَّما هو في الأحاديث التي صدرت عنه في السَّنةِ السابعة، وهي لتعليم صِفةِ الصلاة؛ وما على المأمومِ مِن جهةِ إمامه‏.‏

ومَنْ لم يتنبَّه لتغايُرِ السِّياقَيْن، ثُم لم ينظر قِطعة الإِنصاتِ في أحاديث السقوط، ظَنَّ أنَّها وَهْم في أحاديث الائتمام مطلقًا، وليس كذلك‏.‏ بل هما نوعان وردا في وقتين، وإن اشتركا في بعض الألفاظ، هذا هو الرأي فيه إن شاء الله تعالى، وقذ ذكرناه من قبل مُفصَّلا‏.‏ وراجع لتفصيله رسالتي «فصل الخطاب»، فإِنَّه مهم سها فيه مِثل الحفاظ‏.‏

ثم اختفلت الرواياتُ في سَببِ الإِيلاء، ففي بعضِها قِصَّةُ العسل، وفي بعضها قصَّةُ قُربان مارَّيه؛ وفي بعضِها مراجعةُ نسائه صلى الله عليه وسلّم في أمر النَّفقة، فقال العلماءُ‏:‏ إنِّها كلَّها متقاربةٌ، ونزل الإِيلاء بعدها كلها، ثم إن هذا الإِيلاء لغويٌّ، فهل تجوزُ المهاجرةُ مِثْلُه‏؟‏ فصرَّح ابن الهُمام في «الفتح» أنه جائزٌ، والكلام على جملةِ هذه الأجزاء مرَّ مفصَّلا؛ وإنما المقصودُ الآن التنبيهُ على أنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم قد صلَّى الفَجْر في تلك القصة، ومع ذلك زعم الحافِظُ أنَّ قِصَّة السقوط والإِيلاء واحدةٌ‏.‏

2469- قوله‏:‏ ‏(‏الرِّمال‏)‏حتائى كانانا ابهرا هو تاهى أي وإنما أثَّرت فيه لُحْمة الحَصِير لكونها مرتفِعةً‏.‏

2469- قوله‏:‏ ‏(‏فأَنزلَت آيةُ التَّخيير‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ وفهمت منها أنَّ الغرض منه الإِيذانُ بالتهيؤ للفَقْر والفَاقة، إن أَرَدْنَ الآخرة، وإن أَرَدْن الدنيا فاللهاُ يتكفَّلُ بهن‏.‏ ويُوسُع عليهن، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ تحريمَ النِّكاح بعد النبي صلى الله عليه وسلّم اندرج في مفهوم التخيير، فإِنهنَّ إذا اخترن الآخرةُ مرةً، لم يَبْق لهنَّ اختيارٌ بَعْدَه في ترجيح الدنيا، وإنما فَهِمْت هذا من الشيخ عبد الرؤوف المُنَاوي في «شرح الجامع الصغير» وهو تلميذُ للسُّيوطي، وفي «التوراة» أنَّ المرأة تكونُ زوجةً لآخِر الزوجين في الجنة، فناسب التحريم‏.‏ وفي «بستان أبي جعفر» أنَّها تكونُ للأفضل منهما، وقيل‏:‏ للأخير، فاعله‏.‏

2469- قوله‏:‏ ‏(‏فأَنزلَت آيةُ التَّخيير‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ وفهمت منها أنَّ الغرض منه الإِيذانُ بالتهيؤ للفَقْر والفَاقة، إن أَرَدْنَ الآخرة، وإن أَرَدْن الدنيا فاللهاُ يتكفَّلُ بهن‏.‏ ويُوسُع عليهن، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ تحريمَ النِّكاح بعد النبي صلى الله عليه وسلّم اندرج في مفهوم التخيير، فإِنهنَّ إذا اخترن الآخرةُ مرةً، لم يَبْق لهنَّ اختيارٌ بَعْدَه في ترجيح الدنيا، وإنما فَهِمْت هذا من الشيخ عبد الرؤوف المُنَاوي في «شرح الجامع الصغير» وهو تلميذُ للسُّيوطي، وفي «التوراة» أنَّ المرأة تكونُ زوجةً لآخِر الزوجين في الجنة، فناسب التحريم‏.‏ وفي «بستان أبي جعفر» أنَّها تكونُ للأفضل منهما، وقيل‏:‏ للأخير، فاعله‏.‏

2469- قوله‏:‏ ‏(‏لا تَعْجَلي حتَّى تَسْتأمِري أَبَوَيْكِ‏)‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، وفيه أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم لو أَضْمر في نَفْسِه الترجيح لأحد الجانبين مع تبليغ ما أنزل إليه من التخيوفي «بستان أبي جعفر» أنَّها تكونُ للأفضل منهما، وقيل‏:‏ للأخير، فاعله‏.‏

2469- قوله‏:‏ ‏(‏لا تَعْجَلي حتَّى تَسْتأمِري أَبَوَيْكِ‏)‏ ‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، وفيه أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم لو أَضْمر في نَفْسِه الترجيح لأحد الجانبين مع تبليغ ما أنزل إليه من التخيةُ أن لا يخبرَ به سائرَ نسائه‏.‏

باب‏:‏ مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى البَلاطِ أَوْ بَابِ المَسْجِد

باب‏:‏ الوُقُوفِ وَالبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْم

باب‏:‏ مَنْ أَخَذَ الغُصْنَ وَما يُؤْذِي النَّاسَ في الطَّرِيقِ، فَرَمى بِه

كانت حجارةً مفروشةً من المسجدِ إلى السوق، تُسمَّى بالبلاط، وكان العَقْل فيه انتفاغًا بأرضٍ غير مملوكةٍ‏.‏

2470- قوله‏:‏ ‏(‏وعَقَلْتُ البعير في ناحيةِ البَلاطِ‏)‏ وهذا صريحٌ في أن عَقْل البعيرِ كان خارجَ المسجد، وقد أدَّاه الراوي مرةً بما يُوهِم عَقْله في المسجد‏.‏

باب‏:‏ إِذَا اخْتَلَفُوا في الطَّرِيق المِيتَاءِ، وَهيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَينَ الطَّرِيقِ، ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا البُنْيانَ، فَتُرِكَ مِنْهَا للطَّرِيقِ سَبْعَةُ أَذْرُع

والمِيتاءِ مفْعال من الإِتيان لا مِن الموت، والمعنى أن يَكْثُر فيه الإِتيان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا اختَلَفُوا‏)‏ أي اختلف الشركاءُ في الطريق الذي يَكْثُر فيه الإِيابُ والذَّهابُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الرَّحْبَةُ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، وهي الأرضُ الخاليةُ من العُمْران، وكانت عند الطريق حسب الاتفاق، فأراد المالكون أن يَبْنُوا فيها شيئًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فَتُرِك منها الطريق سَبْعَة أذْرُع‏)‏، واعلم أَني ما كنت أَفْقَه سِرَّ قضاء النبيِّ صلى الله عليه وسلّم بسبعةِ أذْرُع عند تشاجرهم في الطريق، فإِنَّ الطريقَ قد يكون بذِراعٍ وذِراعين أيضًا، فما معنى التخصِيص بالسبعةً‏؟‏ ثم فَهِمت مراده من «مُشْكِل الآثار» للطحاوي؛ فحقَّق أن الحديثَ في الطريق الجديد الذي هم بصدد تحديده، أما القديم فهو على ما كان من ذراعٍ أو ذِرَاعَيْن، فمعنى قول البخاري‏:‏ «وهي الرَّحْبَة تكون بين الطريق»‏.‏‏.‏ الخ، يعني اب اس مين سى راسته نكالنا برا‏.‏

والبخاريُّ أيضًا يريدُ الطريقَ المُحْدث، دون القديم، قال الحنفية‏:‏ إن طولَ الطريق غير محصورٍ، وعَرْضَه بِقدْر عَرْض الباب، وارتفاعَه قَدْر ارتفاعه؛ ولا يَرِدُ علينا الحديثُ في العَرْض، فإِنَّ ذلك عند المصالحة‏.‏

باب‏:‏ النُّهْبَى بِغَيرِ إِذْنِ صَاحِبِه

2475- قوله‏:‏ ‏(‏تَفْسِرُهُ أَنْ يُنْزَعَ منه، يريد الايمان‏)‏، واعلم أنَّه قد وَرَد فيه عن ابن عاس تَشْبِيهان‏:‏

الأول‏:‏ تشبيهُ الإِيمانِ بالظلة، وفي رواية أخرى‏:‏ أنه شبك بين أصابعه، ثم فَصَلَها، فَهُمًا حُكمان مستقلان، لا ينبغي الخَلْطُ بينهما، فإِنَّهُ يُفْضي إلى الغَلط‏.‏ وفي الترمذي‏:‏ أنَّ «البخاريُ سِئل عن جَدِّ عَدِيّ بن ثابت، فلم يعرفه، قلت‏:‏ وهو عبد «الله» بن يزيد الأنصاري، كما ثرى في هذا الإسناد؛ حدثنا عَدِيُّ بنُ ثابت‏:‏ سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري، وهو جَدُّه أبو أُمَه، الخ‏.‏

باب‏:‏ كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الخِنْزِير

قلت‏:‏ لا غَزْو أن يكونَ كَسْرَه الصليبَ بعد النزول، كَكْسر النبيِّ صلى الله عليه وسلّم الأصنامَ في فَتْح مكة، وكذا يمكنُ أن يكون وَضْعُ الجزيةِ ناظرًا إلى مَنْصِب التشريع، أي ترك النبيُّ صلى الله عليه وسلّم هذا الجزءَ أُنموذجًا له‏.‏ وفَوَّضَه إليه بأَمْرِه، ليتولاه هو بنفسه‏.‏

باب‏:‏ هَل تُكْسَرُ الدِّنَانُ الَّتِي فِيهَا الخَمْرُ، أَوْ تُخَرَّقُ الزِّقاقُ‏؟‏فَإِنْ كَسَرَ صَنَمًا، أَوْ صَلِيبًا، أَوْ طُنْبُورًا، أَوْ ما لا يُنْتَفَعُ بِخَشَبِه

قوله‏:‏ فلم يَقْضِ فيه بشيء‏)‏ وفي فِقْهنا أنه لو فَعَله بإِذن المُحْتَسِب لم يَضْمَن، وإلا يَضْمن الماليةَ دون الصَّنْعة، والمُحْتسِب مَنْ كان يراقِبُ أحوالَ النَّاس بخلاف القاضي‏.‏

2477- قوله‏:‏ ‏(‏قال أبو عبد الله‏:‏ كان ابن أبي أُوَيْس ‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ وقد مرَّ أنه كان يَكْذِب، ولذا لم يأخذ عنه النِّسائي، فيوَجّه للبخاريِّ أنه لعلَّه لم يثبت عنده كَذِبُهُ، والكلام فيه مرَّ مبسوطًا مِن قبل‏.‏ البنائية بالنَّصيب، وإلا فتعبيرُها عند البَصْريين بالفَتْح‏.‏

2477- قوله‏:‏ ألا نُهْرِيقها‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ أنظر كيف كانوا أُمِرُوا بالكسر، ثُمَّ سألوا عن الاراقةِ، وغَسْل الأَواني‏.‏ فدلَّ على أن مِثْلَه لا يُسمَّى مخالفةً، وتأخُّرًا عن الامتثالِ بعد وُضُوحِ المُرَاد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كُوَّة‏)‏ هي طاقٌ في الجِدَار‏.‏

باب‏:‏ مَنْ قاتَلَ دُونَ مالِه

أي في حفاظه مالِه، فدلَّ على أن مَنْ جاهد دون مالِهِ وعَرْضه، فهو شهيدٌ أيضًا، وكان يُتوهَّم أن لا يكون شهيدًا، لأنه قاتَلَ دون العِرْض والمال، فاغتنمه، وفيه دليلٌ على أن مَنْ مات في تَخْليص مِلْكه، كما في يومِنا هذا، فهو شهيدٌ، وأخطأ مولانا عبدُ الحقِّ حيث أفتى في زمانِه أن القتالَ لتخلِيصِ المِلْك، ليس بغزو، والمقتولَ فيه ليس بشهيدٍ‏.‏

باب‏:‏ إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيئًا لِغَيرِه

باب‏:‏ إِذَا هَدَمَ حائِطًا فَليَبْنِ مِثْلَه

2481- قوله‏:‏ ‏(‏فَدَفَعَ القَصْعَةَ‏)‏ قيل‏:‏ إنَّها قيميةٌ، فينبغي أن تجِب فيها القيمةُ دون المِثْل‏.‏ قلت‏:‏ ولك أن تَدَّعِي أنها مِثْليةُ؛ ألا ترى إلى ما نُقِل في «الهداية» عن العَتَّابي أن الكِرْباس ‏(‏كارها‏)‏ مِثْلي‏.‏ وفي هامشها‏:‏ قال الزاهد العتَّابي في «شرح الجامع الصغير»‏:‏ إنه قال مشايخنا هذا- أي كونِ الذراعِ وَ أن تجِب فيها القيمةُ دون المِثْل‏.‏ قلت‏:‏ ولك أن تَدَّعِي أنها مِثْليةُ؛ ألا ترى إلى ما نُقِل في «الهداية» عن العَتَّابي أن الكِرْباس ‏(‏كارها‏)‏ مِثْلي‏.‏ وفي هامشها‏:‏ قال الزاهد العتَّابي في «شرح الجامع الصغير»‏:‏ إنه قال مشايخنا هذا- أي كونِ الذراعِ وَكِيل‏.‏ اه‏.‏ أي فلا يكونُ الذِّراع وَصْفًا فيه‏.‏ فانظر كيف جَعَل الثَّوب مِثْليًا إذا لم يَضُرُّه التَّشْقِيص، فلعلَّ أكثرَ الثيابِ في زمانهم كانت قيمةً للتفاوتِ الظاهر، أما اليوم فأكثَرُها مِثْلِيَّةٌ، لفُقدان التفاوت، وغيره‏.‏ وحينئذٍ لو ادَّعينا أنَّ القَصْعة كانت مِثْلِيَّةً، لم يكن فيه بأسٌ أيضًا، ولئن سَلَّمنا أنها كانت قِيمةً، فلنا أن نقول‏:‏ إنَّ إيجابَ المِثْل لم يكن من باب الضَّمان، بل كان من باب المُسامحاتِ على ما عَلِمته مرارًا‏.‏

كتاب‏:‏ الشَّركَة

باب‏:‏ الشَّرِكَةِ في الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالعُرُوض

باب‏:‏ ما كانَ مِنْ خَلِيطَينِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَينَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ في الصَّدَقَة

ذهب البخاريُّ إلى جوازِ قِسمة المَكِيلات والمَوْزُونات في الَّنْهِدِ مُجازفةً‏.‏ والنِّهِدُ أن يَنْثُرَ الرُّفقةُ زادَهم على سُفْرةٍ واحدةٍ ليأكلوا جميعًا، بدون تقسيم، ففيه شَرِكةٌ أوَّلا، وتقسيمٌ آخِرًا، ولا ريبَ أنه تقسيمٌ على المجازفةِ لا غير، مع التَّفاوُتِ في الأَكلِ وهذه الترجمةُ إحْدَى التَّرْجمتين اللَّتين حَكُم عليهما ابنُ بَطَّال أنهما خِلافُ الإِجماع؛ فإِنَّ المَكِيلات والمَوْزُونات من الأموال الرِّبوية، والمجازفة فيها تُؤدِّي إلى الرِّبا، وقد مر معنا الجواب، أنها ليست من باب المعاوضات التي تجري فيها المماكسةُ، أو تدخلُ تحت الحُكْم، وإنما هي من باب التسامح، والتعامل؛ وكيف تكونُ ضَيَّق على نفسه، فأدخل مسأَلة الدِّياناتِ في الحُكْم، فأشكل عليه الأَمْر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كذلك مُجازَفَةُ الذَّهَبِ والفِضَّة‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، تدرَّج من الطعام إلى الأموال الربوية؛ ولا بأس بالمجازَفَةِ فيها أيضًا ما لم تكن من باب المعاوضات، والبِياعات، وكانت على التسامح كالأمور البَيْنَّة‏.‏

2483- قوله‏:‏ ‏(‏فإِذا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرْب‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، فيه تصريحٌ بِكَوْن «العَنْبر» حُوتًا، فلا دليلَ فيه على جوازِ أكل حيواناتِ البحر غيرِ الحوتِ، فاحفظه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فَتَنْحَرُ جَزُوا‏.‏ فَتُقْسَم عَشْر قِسَم، فتأكُلُ لحَمًا نَضِيحًا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ قد يُسْتدلَ به على تعجيل العَصْر، ولا دليلَ فيه أصلا، فإِنَّه يمكنُ مِثَلُه بعد المِثْلَين أيضًا‏.‏ وقد نُقِلَ عن بعض السلاطين ما هو أعجبُ منه؛ حُكِي عن بعض سلاطين دِلْهي يُصلِّي صلاةَ العيد، ثُم يَنْحرُ أُضْحيته، فإِذا فَرَغ من الخْطبة، فإِذا اللَّحم قد نضج، فكان يأكلُ‏.‏

واعلم أن ما في فِقْه الحنفية من أن رجالا إذا اشتركوا في أُضحيةٍ، ينبغي أن يحذروا من المجازفةِ في القِسْمة، وعليهم أن يَقْسِموا اللَّحْمَ وَزْنًا‏.‏ أقول من عند نفسي‏:‏ وذلك عند مخافةِ النِّزاع، وإلا جازت المجازفةُ أيضًا، فإِني جرَّبت أن المجازفة قد سِرْت في غير واحدٍ من المواضع عند المسامحة، وإنما القواعدُ عند ظهور النِّزاع‏.‏

باب‏:‏ قِسْمَةِ الغَنَم

باب‏:‏ القِرَانِ في التَّمْرِ بَينَ الشُّرَكاءِ حَتَّى يَسْتأْذِنَ أَصْحَابَه

2488- قوله‏:‏ ‏(‏بذِي الحُلَيْفَ ن تِهايَةَ، لا ما هو ميقاتُ أهل المدينة، كما في البخار، في «باب من عدل عشرةِ من الغنم»‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏

2488- قوله‏:‏ ‏(‏فأمَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلّم بالقُدوُرِ فأكْفِئَت‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ أي أُكْفِئت القُدُورُ، وأُخْرِجِ منها اللَّحْمِّ، لِيقسم بينهم، فلم يلزم إضاعةُ المال‏.‏ ويمكن أن يكونَ من باب التعزيز بالمال، كَكَسْر الدِّنان، وَخَرْق الزِّقاق، وحينئذٍ لا حاجةَ إلى التأويلِ المذكور، والتَّعزِير به جائزٌ عند أبي يوسف‏.‏ والمسألة عندنا أنَّ المالَ يوضَع في بيت المال، وحينئذٍ يُحْمل على ما قلنا، ويرد عليه ما في «الفتح»‏:‏ فأَكفِئت القُدُور، وتَرِبَ اللَّحْم‏.‏

قلت‏:‏ ولعلَّه أراد المبالغة في التقسيم، أي بادروا إلى التقسيم‏:‏ فأكفئت القُدُور، حتى تَرِب اللحم، كما يقع مِثْلُه اليوم أيضًا عد تقسيم شيءٍ، فليس التتريبُ فيه قَصْديًا، والله تعالى أعلم‏.‏ وفيه أَصْلٌ عظيم، وهو أن قَبْض المُشَاع ضعيفٌ جدًا، وسيجيء في موضعه‏.‏

2488- قوله‏:‏ ‏(‏فَعَدَل عَشَرَةً مِن الغَنَم ببَعيرٍ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ وهو ظاهرُ مذهب إسحاقَ في الأُضحية، كما عند الترمذيّ أنَّ الإِبلَ في الأضْحيةِ تُجزيءُ عنده عن عَشَرة‏.‏ قلتُ‏:‏ والظاهرُ إن إقامةَ الإِبل مُقامَ عشرةٍ من الغنم، إنما كان في «باب تقسيم الغنائم»، فنقلهم بَعْضُهم في الأضحية أيضًا، وهو وَهم‏.‏

باب‏:‏ تَقْوِيمِ الأَشْيَاءِ بَينَ الشُّرَكاءِ بِقِيمَةِ عَدْل

أخرج فيه حديثَ العِتْق، وفيه تفصيلٌ وسيجيء في بابه إن شاء اللهاُ تعالى‏.‏

باب‏:‏ هَل يُقْرَعُ في القِسْمَةِ‏؟‏ وَالاسْتِهَامِ فِيه

واعلم أنَّ القُرْعة ليست بِحُجَّةٍ عندنا في موضع من المواضع، فهي للتطيب لا غير، وجعلها الآخرون حُجَّةً مع بعض تفصيل عندهم؛ وتكلم عليها ابنُ القيِّم أيضًا، واستدلَّ بالأحاديث التي كُلُّها من باب الدِّيانات؛ ولم يستِطع أن يخرِّج له شيئًا من باب الحُكْم، ولا نجد في الأحاديث لفصل القضاء إلا البينة للمدعي، واليمين على المدعي عليه»، فهما طريقا الفصل عند المخاصمة؛ أما القُرعة، أو الشاهد مع اليمين، فلم نَرَهُ من هذا الباب، وسيجيء‏.‏

2493- قوله‏:‏ ‏(‏فإِن يَتْرُكوُهم، وما أرَادُوا هَلَكوا جميعًا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الخ قلت‏:‏ إنَّ الدنيا بأَسرها كالسفينةِ الواحدة، جَلَس فيها كلٌّ‏:‏ مُسْلمٌ وكافِرٌ، مطيعٌ وعاصٍ، فإِذا فشت فيهم المصيةُ، فلم يأْخُذ أَحَدٌ يَدَ أَحدٍ هلكوا جميعًا لا محالة؛ وذلك لأنها دارُ تلبيس وتخليط، وليست بدارِ تمييز، فلا يزال الحقُّ والباطلُ فيها مختلطين كذلك‏.‏ فلو هلك العَاصُون دون المُطِيعين، لوقع التمحيصُ في تلك الدار، دارُ الإِيمان بالغيب، ويناسبه السِّتر والإِبهام؛ ولو انكشفت الغِطاء، وارتفعت الحُجُبْ، وانجلى الامْرُ ووقع التمييزُ فلماذا يقومُ الحَشْر والميزان‏؟‏ وإنما أراد اللهاُ سبحانه أنَ يَبْقى الأَمْر في تلك الدَّار كذلك، مُلتويًا يجري الحقُّ مع الباطل، والحرب سجال، إما إذا قامت الساعةُ، وظهرت الحقائقُ على ما هي، فالنِّعْمَةُ للمُطِيع، والنِّقْمة للعاصي، فريق في الجنة، وفريق السعير؛ فهذا هو التمييزُ الذي تذهب إليه الدنيا، فلا يقع فبل أوانه؛ ونعم ما ذكره الملا عبد الرؤوف المُنَاوي، وهو تلميذ السُّيوطي‏:‏ إنَّ إبقاءَ المُطِيعين مع العصاةِ للتخفيف في حَقِّ العُصَاة، ولولا المطيعونَ معهم لاستحقوا التدمير، والاستئصال‏.‏

باب‏:‏ شَرِكَةِ اليَتِيمِ وَأَهْلِ المِيرَاث

2494- قوله‏:‏ ‏(‏هي رَغْبَةُ أَحَدِكُم لِيتِيمَتِهِ‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ وفي الحاشية عن يتيمة، وهو الأصوب ههنا، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَرْغَبُون أن تَنْكِحُوهُنَّ‏)‏‏(‏النساء‏:‏ 27‏)‏ تَنْكِحُوهنَّ، وتقديرُ حَرْف الجرِّ شائعٌ عندهم، مع خلافٍ يسير بينهم في جواز تقديرِ الحروف التي يتغَّيرُ بحذفها المعنى، ثم إنَّ تفسيرَه لا ينحصر فيما ذكروا، وليراجع له تفسيرُ الزمخشري‏.‏

8 بابُ الشَّرِكَةِ فِي الأَرَضِينَ وَغَيرِهَا

وأخرج فيه حديثَ الشُّفْعة، وثبت جوازُ الشَّرِكة في الأرض‏.‏

9 بابٌ إِذَا اقْتَسَمَ الشُّرَكاءُ الدُّورَ أَوْ غَيرَهَا، فَلَيسَ لَهُمْ رُجُوعٌ وَلا شُفعَةٌ

وليست تلك المسألةُ في الحديث له؛ نعم في فِقْه الحنفية أنه لو لو ظهر الغُبْن الفاحِش بعد التقسيم، له أن يرجع عنه، وإلا فلا رُجوعَ له‏.‏

10 بابُ الاشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ

2497، 2498‏}‏قوله‏:‏ ‏(‏ماكانَ يدًا بيدٍ فَخُذُوه‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وهذه الضَّابِطةُ مُجْمَلةٌ ههنا، وليراجع تفاصيلها في الفقه‏.‏

باب‏:‏ مُشَارَكَةِ الذِّمِّيِّ وَالمُشْرِكِينَ في المُزَارَعَة

جعل المصنِّفُ معاملة خبيرَ مشاركةً ههنا، مع أنه حملها مرَّ على معاملات أُخْرى‏.‏

باب‏:‏ قِسْمَةِ الغَنَمِ وَالعَدْلِ فِيهَا

2500- قوله‏:‏ ‏(‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أعطاهُ غَنَمًا يَقْسِمُها على صَحَابتِه ضَحَايا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ‏.‏ ليس هذا من شَرِكة الفِقْه في شيءٍ، فإِنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم أتى له غَنَمٌ فقسمها، ولم يكن هناك شركاءُ من قبل، والمراد منها في الفِقْه ما تكون بين الشركاء‏.‏

باب‏:‏ الشَّرِكَةِ فِيِ الطَّعَامِ وَغَيرِه

- قوله‏:‏ ‏(‏فَغَمَزَهُ آخرُ، فرأى عُمَرُ أنَّ له شَرِكَةً‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، ولا تَثْبُت الشَّرِكة عندما بالغَمْز في الحُكْم، أما في الدِيانة، فالأمرُ موكولٌ إلى رضائهم‏.‏

2501،2502- قوله‏:‏ ‏(‏فَمَسَح رَأْسَهُ‏)‏وقد كان السَّلَف يهتمُّون بإتيان الصغارِ بحضرة النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ثُم تسلسل به العملُ إلى يومِنا هذا، فيأتون بهم عند الصَّالحين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال أبو عبد الله‏:‏ إذا قال الرجل للرجل‏:‏ أشركني‏.‏ فاذا سكت فيكونُ شريكَة بالنِّصف‏)‏قلت‏:‏ وهذا في الديانةِ ولا يمشيء في الحُكْم، أي القضاء أصلا‏.‏

ثُم في فِقْهنا أنه لا يُنْسب إلى السَّاكِت شيءٌ، واستثنوا منه أربعًا وثلاثين صورةً، ولَعلَّه لا حصر فيها أيضًا؛ وراجع له «الأشباه والنظائر»‏.‏

باب‏:‏ الشَّرِكَةِ في الرَّقِيق

- قوله‏:‏ ‏(‏وَجَب عليه أن يَعْتِقَ كُلَّه‏)‏ وهذا اللفظ مفيدٌ للحنفية؛ فإِنَّه يدل أنه لا سبيل لبقاءِ العبد على تلك الصفةِ، بل يصيرُ حرًا، إما بالتضمين أو الاستسعاء، ودلَّ أيضًا على أنه ليس بِمُعْتَق في الحالة الراهنة، بل يحتاج أن يُعْتَق، ويخلِّص نفسخ بحيلةٍ، وسيجيءُ التفصيل‏.‏

باب‏:‏ الاشْتِرَاكِ فِي الهَدْيِ وَالبُدْنِ، وَإِذَا أَشْرَكَ الرَّجُلُ الرَّجُل

في هَدْيِهِ بَعْدَما أَهْدَى

هذا أيضًا ليس مِن الشَّركة في شيء؛ فإِنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم جاء بِبَدَنةٍ علي حدة، وجاء بها عليٌّ على حِدَة؛ ثُم لا يُدْري أن تلك البُدْنَ لمن كانت؛ على أن الشَّرِكة في العين لا يُتصور عند الحنفية، إلا أن يبيع أحدُهم نِصْف ماله من الآخر، فتكون شَرِكة مِلْك، كما في «الكنز»‏.‏

باب‏:‏ مَنْ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ فِي القَسْم

2371- قوله‏:‏ ‏(‏أرِنُ‏)‏، واختُلِف في هذا اللفظ، فقيل‏:‏ ينبغي أن يكون «إيرنَ» بمعنى عجل، وراجع «الهامش»‏.‏

كتاب‏:‏ الرَّهْن

باب‏:‏ فِي الرَّهْنِ في الحَضَر

باب‏:‏ مَنْ رَهَنَ دِرْعَه

باب‏:‏ رَهْنِ السِّلاح

هذا القيد ناظِرٌ إلى قَيْد السَّفَر في القرآن، وإنما أخذه القرآنُ في النَّظْم لكونِ الحاجة إليه في السَّفر، ولكونِ شأن نزوله في السَّفر لا لكونه مَناطًا، فنبه على أنه جائزٌ في الحَضَر أيضًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏فَرِهانٌ مَقْبوضَة‏}‏‏)‏ دلَّ على اشتراطِ القَبْض‏.‏

باب‏:‏ الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوب

باب‏:‏ الرَّهْنِ عِنْدَ اليَهُودِ وَغَيرِهِم

باب‏:‏ إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالمُرْتَهِنُ وَنَحْوُهُ،

فَالبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعى عَلَيهِ

ثم أعلن الراهِنَ إن أجاز للمرتَهِن أَن ينتفع بالمرْهُون، فإِن لم يكن مَشْروطًا في العَقْد، ولا معروفًا في العُرْف جاز، ويَحِل له الانتفاعُ به‏.‏ ثم قالوا‏:‏ إنَّ مَؤُنة الحِفْظ على لمرتَهِن، ومَؤنةَ ما يتوقف عليه بِقاءُ المرهون على الراهن، فلا يجوزُ للمرتَهِن أن يَشْرب اللبنَ على مسائلنا، وإنما يبِيعُه، ويَصَنُع ثَمَنَهُ عنده أمانةً للراهن؛ فإِن لم يجد مَنْ يشتريه، ورآه على شَرَفِ الفسادِ والضيَّاعِ، يَحِلِ له شُرْبُه عندي، وإن لم يذكره في الفِقْه، ويحاسب عما يجب على الراهن مِن ثمن العَلَف، فإِنَّ شَرف التَّلف‏.‏

وهكذا أقول في الفرس، فإِنَّه من الدوابِّ التي أُعِدت للركوب؛ ولو لم نُرَخِّص له بالرُّكوب، يلزم تَعَطُّلُها عن منافعها؛ فقلنا‏:‏ إنه جائزٌ للمرتَهِن، ويُحاسب عما يجِب عليه مِن ثمن عَلَفِه، ومن ههنا ظهر وَجْه تخصيص المركوب والمحلوب في الحديث؛ فإِن اللبن مما يَفْسُد، والفرسَ إذا تعطل عن الركوب ضَاع، فلم يناسِب أن يضيعَ اللَّبن، وتتعطَّلَ الدابةُ، فأباحهما له من هذه الحاجةِ‏.‏ فثبت أن المرادَ من الحديث هو ما فهِمه أحمدُ؛ نعم أخرجا لأَنْفُسِنا مَخْلَصًا منه‏.‏

ثُم إنَّ الحافظ ابنَ تيميةَ فَرَّع عليه تفريعات، وادَّعى أن الحديث يدلُّ على جوازِ الاستمتاع من المرهونِ مُطْلقًا سواء كان مَرْكوبًا، أو غيرَ ذلك‏.‏ قلت‏:‏ أما الحُكْم في الفرس، والحَلوب، فكما في الحديث، لمكان الحاجةِ فيهما، على ما عَلِمت؛ وأما ادعاؤه الإِطلاق، فذاك أمرٌ يَحْمِلُه هو، لأنه لا حاجةَ في غيرهما‏.‏

والحاصل في وجه التَّفضِّي عن الحديث أن المرتَهِن ليس عليه أن يتتبع الراهِن لأَخْذِ أُجرةِ العَلَف، فله أن يَشْرب من لبنِه، ويركب ظهرَه، ويكون عليه ثمنُ العَلَف، ويقتص هذا بهذا، فعملت بِقَدْر ما نطق به الحديث، وتركت تفاريعَ ابن تيميةَ في التعميم، وذكرت وجهًا للمذهب هذا‏.‏

كتاب‏:‏ العِتْق

باب‏:‏ في العِتْقِ وَفَضْلِه

باب‏:‏ أَيُّ الرِّقابِ أَفضَل

باب‏:‏ ما يُسْتَحَبُّ مِنَ العَتَاقَةِ في الكُسُوفِ وَالآيات

باب‏:‏ إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا بَينَ اثْنَينِ، أَوْ أَمَةً بَينَ الشُّرَكَاء

2521- قوله‏:‏ ‏(‏فإِنَّ كان مُوسِرًا قُوِّم عليه، ثُمَّ يُعْتَق‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، وفيه إيماءٌ إلى مذهب الحنفية، لأنه قال «ثم يعتق»، فأتى بحرف التراخي، ليدَّل على أن في عِتْقِه بتمامه تأخيرًا، وتراخٍ، ولم يعتق كله بالفعل؛ ويؤيده ما في الروايةِ الآتية‏:‏ منُ أعتق شِرْكا له في مملوك، فَعَلَيْهِ عِتْقُه كُلِّه إن كان له مالٌ يَبْلُعُ ثَمَنَه»، اه، فإِنَّه أيضًا يدلُّ على أنه مُعْتَق البعض في الحال، ثم سيعتق عليه إنْ كان له مالٌ‏.‏

2323- قوله‏:‏ ‏(‏فإِنْ لم يكن له مالٌ يُقَوَّمم عليه قيمةَ عَدْلٍ على المُعْتقِ، فأُعْتِقَ منه ما عتق‏)‏‏.‏ اه‏.‏ واعلم أن قوله‏:‏ «يُقَوَّم عليه»‏.‏‏.‏‏.‏ الخ، صَفْةُ لمال؛ وجزاء الشَّرْط‏:‏ فأُعْتِقَ منه ما عتق، والمعنى أنه إن لم يكن له مالٌ كذلك، فلا يكون له التَّضْمين، بل يَعْتِق منه ما عتق، وعليه خلاصُه في الباقي، كما هو مذهب الحنفية، أو عَتَقَ منه ‏(‏ما‏)‏ عتق فَحْسب، كما هو مذهب الشافعي؛ ولو جعلت قوله‏:‏ «يُقوَّم عليه» جزاءً للشرط يتقلبُ المرادُ، ويَدلُّ على التقويم والتضمين عند عدم المال، وليس بمرادٍ، فاعلمه، وراجع «الهامش»‏.‏

باب‏:‏ إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا في عَبْدٍ، وَلَيسَ لَهُ مالٌ،اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيرَ مَشْقُوقٍ عَلَيهِ، عَلَى نَحْوِ الكِتَابَة

قال مولانا شيخُ الهند‏:‏ إن هذه الترجمة دليلٌ على أن البخاريَّ وافق الإِمامَ الأعظم، وضع لفظ‏:‏ «على نحو الكتابة»؛ وهذا هو دعامةُ مذهب الحنفية، لأنهم اختلفوا في صِفة العبد حال الاستسعاء، فقال إمامُنا‏:‏ إنه في حُكْم المكاتب؛ فركَّب المصنِّف هذه الترجمة من جملةِ الحديث، وتَفَقَّه الإِمام، والمسألةُ وإنْ مَرَّتِ من قَبْل، لكنَّ الظاهر أنه لم يُرِد التقويةَ إلا ههنا، فوضع لفظ «على نحو الكتابة» مع جملةِ الحديث، وهذا اللفظ قاله الإِمام أبو حنيفة، وإبراهيم النَّخَعي، فيتبادر منه أنه اختار مَذْهَبَنا أيضًا؛ فالعجب أن البخاريَّ وافق الإِمام في تلك المسألة، وخالفه صاحِباه‏.‏

باب‏:‏ الخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ في العَتَاقَةِ وَالطَّلاقِ وَنَحْوِهِ، وَلا عَتَاقَةَ إِلا لِوَجْهِ اللَّه

الخطأ أن يَسْبق على لسانه شيءٌ مِن غير قَصْدٍ منه، نحو أراد أن يقول‏:‏ سبحان الله، فجرى على لسانه‏:‏ أَنْت حُرٌّ؛ وصورة النِّسيان نحو إنْ قال‏:‏ والله لا أُطلِّقُ امرأتي، ثُم نسي أنه حلف به، فقال‏:‏ امرأتي طالقِ، كذا ذكره في «البحر»؛ وإلا فتصويرُ النِّسيان مُشْكِل ههنا‏.‏ ثُم إنَّك قد عَلِمت فيما مرَّ مرارًا؛ أَنَّ الجهل، والنِّسيان، والخطأ عُذْرُ في فِقْه الأئمة في كثيرٍ من المسائل؛ واعتبره البخاريُّ أَزْيَدَ منهم، ولم يعتبِرْها الحنفيةُ إلا أقَلَّ قليل، ولو وَسَّع فيها الحنفيةُ أيضًا لكان أحسنَ، وهو الذي يُستفاد مِن نسق الشَّرْع، فإِنَّ سَطحه أَوْسع، وفِقْه الحنفيةِ أَضْيق، نعم ما وَسَّع به الإِمام البخاريُّ ليس بجيد أيضًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا عَتَاقَة إلا لِوَجْه الله‏)‏ لعلّه تعريضٌ إلى الحنفية، فإِنَّهم قالوا‏:‏ إن قال‏:‏ أَنت حُرُّ للشيطان، عَتَقَ عَبْدُه، قلت‏:‏ إن أراد به أن العَبدَ لا يَعْتِق إلا أن يعتقه لوَجه الله، فليس بصحيحٍ، وإنْ أراد أنه أعتقه لغير الله، فإِنَّه لم يفعل فِعْل الإِسلام، فنحن لا نُنْكره أيضًا، بل نقول‏:‏ إنه إن نوى بذلك العبادة، كَفَر أيضًا، فأَيُّ وِزْر يريدُ فوقه‏؟‏ ولم يُحْسن الشيخُ محي الدين النووي في نَقْل مذهب الحنيفة، حيث يتبادر منه أَن الحنفية لا يبالون به، وَيَروْنه كعامَّة صِيغ العِتْق، مع أنك علمت أنه كُفْرٌ عندنا، أما تَمَسُّكُه بقوله صلى الله عليه وسلّم «إنما الأعمال بالنيات»، ولا نية للناسي، والمُخْطىء، فينبغي أن لا تُعتبر تصرفاتُه، فهو كما ترى‏.‏ وقد مرَّ عليه البحثُ معنا مبسوطًا‏:‏ إن الحديثَ لم يَردِ في صِحَّة الاعمال، وفسادِها أَصْلا، وإنما ورد في بركة الأعمال، ونمائها؛ فكونُ النية شَرْطًا للصِّحة خارجٌ عن مفهوم الحديث، وإذن التمسك به غيرُ تامّ‏.‏

2528- قوله‏:‏ ‏(‏إنَّ الله تجاوَزَ ‏(‏لي‏)‏ عن أمتي ما وسْوَسَت به صدُورُها ما لم تَعْمل أو تتكلّم‏)‏ وقد مرَّ عليه الطحاوي في «مُشْكلة» على نظيره، واختار فيه النَّصْبَ، ولم يجعل النفس فاعِلا، فيكون ههنا أيضًا النصب؛ وترجمته‏:‏ جوانى سينون مين وسوسه دالين‏.‏

واعلم أنه قد سَبَق إلى بَعْض الأَذهان أَنَّ العَزْم على المعصية أيضًا عَفْوٌ، كسائر مراتب الوَسْاوس، نظرًا إلى ظاهر هذا الحديث، لأنه وَرَد في صَدْره ذِكْرُ الوَسْاوس، ثُمَّ بلغ إلى عَمْل الجوارح بالطفرة، وتَرَك العَزْم من البَيْن، فتردد فيه النظر؛ أنَّه داخِلٌ تحت حُكْم الغاية، أو المُغَيَّا‏؟‏ فذهب بَعْضُهم إلى أنه عَفْوٌ، وتَوهَّم أنه داخِلُ في حُكْم المُغَيا؛ وهذا باطل قطعًا، كيف وإنه إذا لم يُذكر له حُكْمٌ في الحديث نصًا، فما الدليلُ على أنه داخِلٌ تحت حُكْم المَغيَّا‏؟‏ لِمَ لا يجوز أن يكون داخِلا في حُكْم الغاية، ويكون المعنى ما لم يَعْمل أو يتكلَّم أو يَعْزِم‏.‏

وإنما يَحْدُث الإِشكالُ في مِثْل هذه المواضع، لأن الحديث قد لا يكون حاويًا على جميع الشقوق، فيأتي واحدٌ منهم، وتعتريه به عجلةٌ، فيزعمه حاويًا على جمعيها، ثم يستنبط منه حُكْمًا للشِّقَّ المسكوتِ عنه أيضًا حسب زَعْمه، فيقع في مناقضةٍ من التواتر من فِعْله‏.‏ وهذا ظُلْمٌ وتعسُّف، فإِنَّ مَنْشأه ليس إلا ظِنُّه الفاسد، أو العجلةُ التي أخذته؛ كما رأيت في الحديث المذكور، أنه لم يتعرَّض إلى العَزْم، وإنما بيّن حُكم سائر الوساوس، فكبُر على بَعْضِهم أن لا يكون له في الحديث حُكْم، فجعله حاويًا على جميع الشُّقوق، ثُم أخذ منه حُكْم العَزِم أيضًا، لكونه من متناوَلاتِ الحديثِ على ظَنِّه، فحكم عليه بكونِه عَفْوًا، مع أن المعروف عند الشَّرْع خِلافُه، وجماهير العلماء قد ذهبوا إلى المؤاخذةِ عليه أيضًا‏.‏

ثم المشهور في شَرْح الحديث؛ أنَّ الوَساوسَ لا تخلو إمَّا أن تقع فيما يكون مِن جنس الأقوال، أو الأفعال؛ فإِنْ كانت من النَّحْو الأَوَّل، فإِنَّها لا تُؤخذُ بها حتى تتكلَّم؛ وإن كانت من الثاني فأيضًا كذلك، إلا إذا عَمِل بها؛ وحينئذٍ لا تُكْتب لكُلِّ نوع منهما إلا معصيةٌ واحدةٌ‏.‏

وقد كان خَطَر ببالي شَرْحٌ آخر، فَعَرَضْتُه على مولانا شيخ الهند، وهو أنَّ ما كان من قبيل الوساوس إذا بلغ إلى حَدِّ العمل فَعَمِل به، ثُم تكلَّم، فإِنَّه اقترف مَعْصِيتين‏:‏ معصيةً للعمل؛ ومعصيةً أُخْرى للتكلُّم بها، وهذه مغايرةٌ للأُولى، وذلك لأن الله تعالى قد أَمَرَه بِسِتْرها، فإِنَّ الله تعالى لا يُحِبُّ الجَهْر بالسواء، إلا مَنْ ظلم، فلما افْتَات عليه، وجَهِر بها، استحق أَن تُكْتب له معصيتان، وحينئذٍ مرادُ الحديث أَنَّ الوَساوِس مَعْفوُّ عنها، إلا إذا عَمِل بها، فإِنها تُكتب له معصية، فإِنَّ تكلَّم بها تُكْتب له معصية أُخرى، لكونها أَحْرَى بالتستُّر‏.‏ فهذا تَجَاسُرٌ منه، ووقاحةٌ بَيِّنةٌ، فما أليقَ بأن تُكتب له معصيتان‏:‏ معصيةٌ للعمل، ومعصيةٌ للتكلُّم؛ وعلى هذا التقرير تتعلق معصيتان على ارتكاب أَمْرٍ واحد، الأُولى لاقترافِه سيئةً، ومعصيةٌ أخرى للتكلم‏.‏ ولعلك عَلِمت الآن الفَرْق بين الشَّرْحين، وأن الحديث ساكتٌ عن حُكْم العَزْم، لا أنه مَعْفُوُّ عنه، كما زعم‏.‏

هذا ما سمعت في العزم الذي هو من مبادىء أفعال الجوارح؛ وأما العَزْم الذي لا يتعلَّق بأفعال الجوارح، بل هي من معاصي القلب، كالعَزم على الأخلاق الفاسدة نحو‏:‏ الحِقْد، والكِبْر، فتؤاخذ عليها أيضًا، إلا أنها ليست مذكورةً في هذا السياق، ولم يتعرَّض إليها الحديث أَصْلا؛ وإنما الحديثُ في الوَساوس التي تَقعُ مبادىءَ لأفعال الجوارِح، كالزِّنا، والسَّرقة، فإِنَّهما من أفعال الجوارح قطعًا؛ وهذه الوساوس من مبادئها، ألا ترى أنَّ الإِنسانَ إذا تمنى فاحشةً تتحدَّثُ بها نفسه أولا، وقد تَخْطُر بباله، وأُخْرى تَهْجِس في نفسه هَجْسًا، وقد يَعْزِم عليها، ثُم إن غلبت عليه الشِّقْوة، وسبق القَدَر، فَقَد يَقْتَرِفها أيضًا، والعياذ بالله، فهذه الوَساوسُ هي التي وَرَدَ فيها الحديثُ، أما العَزْم على معاصي القَلْب نحو الأحقاد والضغائن، والشُّكوك في أَصْل الدِّين، فهذه الأفعالُ كلُّها ليست من الجوارح، بل أفعالُ القلب، فلم يَردِ فيها الحديثُ رأسًا؛ نعم، ومِن الأشياءِ ما تكون من أفعال الجوارح أولا، ثُم تصيرُ آخِرًا من أفعال القلب، كالانتقام لمظلمة‏.‏ فإِنَّ الإِنسانَ يجتهد فيه مهما أمكن، فإِذا عَجَزَ عنه القلب حِقْدًا، فهي أيضًا داخلة في الأفعال القَلْبية آخِرًا‏.‏ ومن ههنا عَلِمت السَّرَّ في عدم تَعَرُّض الحديث لهذا النحو من العَزْم، وهو أن الحديث إنما ورد في مبادىء أفعالِ الجوارح فقط، أما العَزْمُ على الأفعال القَلْبية، كالأخلاقِ الفاسدة، فليست من مبادىء أفعال الجوارح، كما علمت، بمعنى أنها لا تقع في مبادئها، فإِنَّها تقتصر على الباطن فقط؛ بخلاف النحو الأول، فإِنها تَنْبعث من الباطن، وتتقوَّى شيئًا فشيئًا حتى تُسخِّر الظاهِرَ أيضًا، فيتابعها تارة، ويركب تلك المعصية‏.‏

والحاصل أنَّ الحديث ورد في الوَساوِس التي تكون مبادىءَ لأفعالِ الجوارح، وسكت عن حُكم العَزْم عليها؛ وأما حُكْم سائر العزْم، ممَّا لا تعلُّق لها بتلك الأفعالِ، فهي خارجةٌ عن سياق الحديث‏.‏

ثم نُلقي عليك شيئًا لتفصيل المسألة، وهو أن مَرائِبَ القَصْد خَمْسٌ، ضَبَطَها بعضُهم في هَذين البيتين‏:‏

مراتِب القَصْد خَمْسٌ‏:‏ هاجسٌ ذكروا *** فخاطِرُ، فحديث النَّفس، فاستمعا

يليه هَمَّ، فَعَزْمٌ، كلُّها رفعت *** سوى الأخير، ففيه الأَخْذُ قد وقعا

فالخاطِر اسمٌ لما يَحُطُر ببالك، ولا يكون له استقرارٌ في الباطن؛ فان استقرَّ شيئًا يقال له‏:‏ الهاجِس، وإن استقرَّ ولم يخرج، ولكن لم يترجح أحدُ جانبي الفِعْل، أو الترك عندك، يقال له‏:‏ حديثُ النَّفس، فإِنَّ ترجَّح، وتَرَدَّدت فيه النَّفْسُ، فَهُمٌّ؛ وإن أَجْمَعَتْ عليه، فعزمٌ‏.‏ ثُم إنَّ الثلاثةَ الأُوَل عَفْوٌ في طَرَفي الطاعة والمعصية، فلا ثوابَ عليها، ولا عقاب، أما الهُّم فهو عَفْوٌ في جانب المعصية، ومُعتبرٌ في جهة الطاعة‏.‏

بقِي العَزْم، فإِنَّه مُعتبر في الجهتين؛ ومَنْ ظنَّ أَنه عَفْوٌ لهذا الحديث فقد غَلِط‏.‏ لا أقولُ‏:‏ إنَّ العَزْم على المعصيةِ، كالعمل بها يعينه، بل هو دونه؛ فثوابُ العَزْم على الطَّاعة أَدْونُ من ثواب العمل بالطاعة، وكذا عِقاب العَزْم على المعصية، أَخفُّ من العمل بالمعصية‏.‏ ثُم العَزْم إنْ بلغ إلى حَدِّ العمل حتى عُمِل بموجَبِه، فإِنْ كان على الطاعة تُكْتب له عَشْرُ حسنات، وإن كان على المعصيةِ لا تُكْتب له إلا سيئةٌ، وإنْ لم يبلغ إلى حَدِّ العمل، فإِنْ كان على الطاعة تُكْتب له طاعةٌ واحدةٌ، وإن كان على المعصيةِ تُكتب له معصيةُ العَزْم لا غير، فإِنْ كَفَّ عنها خَوْفًا من رَبِّه تُمحى عنه مَعْصيةُ العَزْم، وتُكْتب حسنةٌ مكانها، كما يُعلم مما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا تحدَّث عبدي بأن يعمل حسنةً فأنا أَكْتُبها له حسنةً ما لم يعمل فإِذا عَمِلها فأنا أَكْتُبِها بِعَشْرةِ أمثالها إلى أن قال في السيئة وإنْ تركها فاكتبوها له حسنةً إنما تركها مِن جَرَّائي‏}‏ اه، أي من أجْلي، والمرادُ من التَّرْك تَرْكُه باختياره‏.‏

وحاصلُه أنه إذا مَنَعَتْهُ عن ارتكاب السيئةِ عظمةُ رَبِّه، وخشيتُه، تُمْحى عنه معصيةُ العَزْم، وتُكتب له حسنةٌ أُخرى، ويُعد ذلك توبةً، وأما إذا تركها لموانعَ سماويةٍ، فلم يُذْكر أَمْرُه في الحديث، ويُستفادُ مما عند مسْلم أنه لا تُمحى عنه سيئةُ العَزْم، وتبقى مكتوبةً عليه، كما كانت؛ فإِنَّ الوَعْد إنَّما هو على تقدير تَرْكه من أجل عظمة الربِّ؛ أما تَرْكِه لعجزه، فلا يُوجِب أجرًا، ولا مغفرة، فيبقى عليه إثْمُ العَزْم على المعصيةِ‏.‏ ثُم لا يخفي عَليْك أنَّ المرادَ بحديث النَّفْس- في حديث مُسْلم- هو مَرْتبة الهَمِّ، لما علمت أَنَّ مرَتبةَ حديث النفس غيرُ معتبرة في جانبي الطاعة والمعصية، وإطلاق إحدى المراتب على الأخرى معروفٌ، والتوسُّع في اللغة معلومٌ، والله تعالى أعلم‏.‏

2529- قوله‏:‏ ‏(‏فَمَنْ كانت هِجْرَتُه إلى الله وَرَسُولِه‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، قد سبق الكلامُ في مزايا الحديث في اوَّل الكتاب، وقد نبهت هناك أني لا أدري ما السرُّ في حَذْف المصنِّف هذه القطعةَ من الحديث‏.‏

واعلم أن في إسنادِه عَلْقمةَ بن وقَّاص، كما ترى، وقد سها فيه الشيخُ علاء الدين، حيث قال‏:‏ إنَّه عَلْقمةُ ابنُ قَيْس؛ وهذا كما وقع السَّهو من الحفاظ في قَصَّه رَجْم اليهوديِّ، أنها في السنة التاسعة، والصواب أنها في الرابعة، كما عند القَسْطلاني، وكذا الصحابيُّ فيها عبدُ الله بن أبي أوْفَى، وجعله عبد الله بن عباس، وهذا أيضًا ليس بصحيح، ويقضي العجب من مِثْل الحافظ أنه كيف رَكِبَ الأغلاطَ التي في فَنِّ الحديث، مع كونه أَحْفَظَ أهلِ عَصْره في الحديث والرِّجال، والرَّجُل إذا أتى بالأغْلاط في فَنِّه عيِّر عليه، أما إذا لم تكن من فنِّه فلا عارَ عليه؛ كما في «تدريب الراوي» في حقِّ أبي بكر بن أبي شَيْبة، وعثمان بن أبي شَيْبة، أنهما لم تكن لهما مزاولة كثيرةُ بالقرآن، فقرأ ‏(‏عثمان‏)‏ مرةً في المجلس سورة الفيل فتلفظ بحرف الاستهام؛ وحرف الجَحْد، كالمُقطعات، هكذا‏:‏ ألف، لام ميم ترَ كيف، فَقِيل له، فأجابه‏:‏ إني لا أقرأ قراءةً عاصم وهكذا ابنُ شاهين، فإِنَّه لم يكن يَعْلَم الفِقْه أصلا‏.‏

باب‏:‏ إِذَا قالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ‏:‏ هُوَ لِلَّهِ، وَنَوَى العِتْقَ، وَالإِشْهَادِ في العِتْقِ

يَا لَيلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا *** عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفرِ نَجَّتِ

2530- قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي هريرةَ، أنه لما أَقْبل يريدُ الإِسلام‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏الخ، واعلم أنَّ أبا هريرة‏.‏ قَدِم السَّنة السابعة، وكان شريكًا في غزوة خَيْبر، كما هو عند الطحاوي‏.‏ وعندي روايةٌ أُخرى، تدلُّ على أنه جاء مرةً مِنْ قَبْلُ أيضًا، وقد ثبت مجيئه إلى المدينة مرَّةً أُخرى، ولو ثبت تلك الروايةُ لنَفَعَتْنا في التَّفَضِّي عن قوله‏:‏ «بينا أنا أُصلي في حديث ذي اليدين، كما مرَّ‏.‏

2530- قوله‏:‏ ‏(‏على أَنَّها مِن داَرِه الكُفْر نَجِّت‏)‏، «على» ههنا بمعنى مع؛ بحث فيه ابنُ هشام في «المُغني»‏.‏ ولم يجد لها شاهدًا، ولو كان هذا البيتُ في نظره، لكفاه شاهدًا‏.‏